الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

21

مختصر الامثل

ومن البديهي أنّ الخالق والمالك يكون مدبّراً لأمر العالم أيضاً . ولذلك تقول الآية في النهاية : « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ » . إنّه غنيّ على الإطلاق ، وحميد من كل جهة ، لأنّ كل موهبة في هذا العالم تعود إليه ، وكل ما يملكه الإنسان فإنّه صادر منه وخزائن كل الخيرات بيده ، وهذا دليل حي على غناه . ولما كان « الحمد » بمعنى الثناء على العمل الحسن الذي يصدر عن المرء باختياره ، وكل حسن نراه في هذا العالم فهو من اللَّه سبحانه ، فإنّ كل حمد وثناء منه . ثم تجسّد الآية التالية علم اللَّه اللامحدود من خلال ذكر مثال بليغ جدّاً فيقول : « وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . « يمدّه » : من مادة « المداد » وهي بمعنى الحبر أو المادة الملوّنة التي يكتبون بها ، وهي في الأصل من « مدّ » بمعنى الخطّ ، لأنّ الخطوط تظهر على صفحة الورق بواسطة جرّ القلم . « الكلمات » : جمع « كلمة » وهي في الأصل الألفاظ التي يتحدث ويتكلم بها الإنسان ، ثم أطلقت على معنى أوسع ، وهو كل شيء يمكنه أن يبيّن المراد والمطلب ، ولمّا كانت مخلوقات هذا العالم المختلفة يبيّن كل منها ذات اللَّه المقدسة وعظمته ، فقد أطلق على كل موجود ( كلمة اللَّه ) ، ثم استعملت كلمات اللَّه بمعنى علم اللَّه لهذه المناسبة . بعد ذكر علم اللَّه اللامحدود ، تتحدث الآية الأخرى عن قدرته اللامتناهية ، فتقول : « مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » . الآية التالية تأكيد وبيان آخر لقدرة اللَّه الواسعة ، وقد وجّهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت : « أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ » لخدمة الناس وتأمين احتياجاتهم « كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . « الولوج » : في الأصل بمعنى « الدخول » ، ودخول الليل في النهار والنهار في الليل قد يكون إشارة إلى طول وقصر الليل والنهار التدريجي على مدار السنة ، حيث ينقص شيء من أحدهما تدريجياً ، ويضاف على الآخر بصورة غير محسوسة ، لتتكوّن الفصول الأربعة للسنة بخصائصها وآثارها المباركة . وجملة « كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى » إشارة إلى أنّ هذا النظام الدقيق لا يستمر إلى الأبد ، بل إنّ له نهاية بانتهاء الدنيا .